محمد بن محمد ابو شهبة
244
المدخل لدراسة القرآن الكريم
وغير إسرائيليّ . والتشريع الإسرائيلي كان خاصّا بشعب خاص ، وموقوتا بوقت خاص فلا يصلح أن يكون أساسا لتشريع عام خالد ، وهو تشريع الإسلام الذي انتشل الإنسانية من وهدتها ، وأضاء النفوس بعد ظلمتها ، وحرر العقول بعد إسارها ، وملأ الأرض هداية وعلما ، وعدلا ورحمة ، بعد أن ملئت كفرا وضلالا وجهلا وظلما وقسوة وتجبرا ، وكيف يجوز في العقول أيضا أن يستمد السابقون الأولون من المهاجرين ثقافتهم وتشريعاتهم من اليهود وهم الذين أصلحوا جميع الشعوب بهداية القرآن والتأسي بأكمل الخلق على الإطلاق ، وشهدت لهم أعمالهم وأخلاقهم بأنهم خير أمة أخرجت للناس ، وقد أجمع المؤرخون من الإفرنج وغيرهم على أن أعظم أسباب نجاح الإسلام في انتشاره السريع ، وفتوحاته المظفرة الكثيرة ما كان عليه أهل الملل كلها من فسوق وفساد ، والدول كلها من ظلم واستبداد وإغراق في الملذات . الشبهة الخامسة قال : إن القسم المكي يكثر فيه القسم بالضحى ، والشمس ، والقمر ، والنجوم ، والفجر ، والعصر ، والليل ، والنهار ، والتين ، والزيتون ، إلى آخر ما هو جدير بالبيئات الساذجة التي تشبه بيئة مكة تأخرا وانحطاطا . أما القسم الثاني فقد خلا من القسم بهذه المحسوسات ، وغرضه تأثر القرآن بالبيئة ليصل إلى التشكيك في القرآن ، وهذا الكلام مردود بما يأتي : 1 - دعوى أن البيئة المكية ساذجة جاهلة لا ترقى إلى ما وراء الحس ، دعوى لم يقم عليها دليل ، ويكذبها الواقع ، والتاريخ الصحيح ؛ فقد كان أهل مكة أوفى ذوقا ، وأرهف شعورا ، وأذكى عقولا من أهل المدينة ، وأن فيما قصه القرآن عنهم من مجالات وخصومات وما اشتمل عليه القسم المكي من إيجاز وبراهين ما ينقض هذا الاتهام ، وكيف يفهم هذه البراهين من لا يسمو نظره عن المحسوسات ، والتاريخ الصحيح أعدل حاكم وخير شاهد على امتياز قريش عن سائر القبائل في عهد نزول القرآن ، ولكي تكون